أخبار وطنية

لماذا كانت ليلى طرابلسي تتردد على جامع الساطوري بجربة؟ إليك الإجابة

تحقيق قمت به في شهر ماي من سنة 2011 حول ما تتعرض اليه عديد الجوامع في جزيرة جربة من انتهاكات و سطو بمختلف الأشكال و لأسباب مختلفة
نشر في جريدة الأنوار بتاريخ 14 ماي 2011
لماذا كانت ليلى طرابلسي تتردد على جامع سيدي الساطوري بجربة؟
 » قالت جدتي وأنا أسند رأسي الصغير إلى ركبتها وأصابعها تمخر شعري :  » كان ذلك يا ولدي في زمن بعيد , بعيد جدا , على تلك الربوة المقابلة للغابة , كان يسكن ولي صالح يدعى الشيخ الساطوري , نفعتنا بركاته ووقانا الله غضبه ولعناته … الشاي لله يا سيدي . كان مسكنه عاليا وبعيدا عن زحمة الناس يحيط به السكون والأشجار …فكان الأهالي لا يرونه إلا في أوقات قليلة ينشدون إليه البرء من أمراضهم وعللهم , ويغتسلون بوافر بركاته فكثيرا ما كان يقصده العليل فيبرأ والمحتار فتقر عينيه والمغلوب فيرتفع رأسه …لقد كان الشيخ هو الذي يبارك كل منجز في الجزيرة خاصة مشاريع الزيجات والمصاهرة فلا يتم زواج بدون أن يأخذ فيه قرار يذعن له الأهل وينفذونه حسب مشيئته . وحدث أن كان هناك صبية نافرة داست على سكون العادات وعصت سير الأقدمين , فكانت تخرج للغابة لتلتقي بفتاها … غير أن ما عرفه الناس هو أن أهلها خافوا الفضيحة فأسرعوا بعقد قرانها على فتاها , ونسوا يا ولدي أن يطلبوا البركة من الشيخ … ولما كان يوم الزفاف , أعدت العروس ودخلت هودجها , وسار بها أهلها يحملونها نحو بيت زوجها …وكان عليهم أن يمروا بالطريق المحاذية للغابة الكبرى , وما إن ناصفوا الطريق حتى خرج الشيخ عليهم من وراء الأشجار وانحنى إلى الأرض وقبض قبضة من ترابها وذراها فوق رؤوس الجمع … فتوقفت الأرجل وانقطعت الزغاريد وانطفأت الإيقاعات وتحول كل من كان يصحب العروس إلى أصنام … قد يكون في ذلك حكمة أرادها الشيخ الصالح أن تبقى دوما في ذاكرة الناس جيلا بعد جيل … » .
كان هذا مقطع من إحدى صفحات رواية « مراتيج » للأديبة عروسية النالوتي أصيلة جزيرة جربة . وفي هذا المقطع تقص الجدة على حفيدها حكاية اقترنت بأحد جوامع جزيرة جربة وهو جامع سيدي الساطوري الموجود بمنطقة سدويكش من معتمدية جربة ميدون . ومازالت هذه القصة متداولة في الذاكرة الشعبية بجربة . بل أن حكاية سيدي الساطوري وصل صيتها خلال العهد البائد إلى قصر قرطاج , أو ربما يكون أحد أفراد عائلة « الفار » طالع رواية « مراتيج » . وهو ما جعل زوجة المخلوع تقوم بزيارة الجامع في أكثر من مناسبة وذلك حسب شهادة العديد من متساكني منطقة سدويكش وخاصة القاطنين فريبا من الجامع . ويرى البعض أن الزيارات التي كانت تؤديها زوجة المخلوع هي للتبرك  » بالولي الصالح  » الشيخ الساطوري فربما كانت تزوره مناشدة إليه الشفاء من مرض وعلة , أو ربما كانت تناشد « سيدي الساطوري » ليبارك لها مشروع زواج أو مصاهرة , أو ربما كانت تخشى أن يصيبها مثلما أصاب تلك الفتاة التي تحولت ليلة زفافها إلى حجارة صحبة كل من رافقها في موكب العرس . أما البعض الآخر من المتساكنين فانهم ذكروا أن سبب زيارة زوجة المخلوع لجامع سيدي الساطوري هو من أجل البحث عن الكنز مؤكدين أن زياراتها تكون تحت حراسة مشددة لمختلف أركان الجامع وكذلك للمناطق المحيطة به . كما أن بعض أركان الجامع من الداخل شهدت تغييرات بحجة أن زوجة المخلوع أرادت أن تقوم بتحسينات للجامع فقامت بتبليط بعض جدرانه ربما كان ذلك لمحاولة اخفاء آثار الحفر . كما أن تلك « التحسينات » شوهت الطابع المعماري الأصلي للجامع وهو ما أكدته جمعية صيانة جزيرة جربة .
* أعمال نهب وتخريب : يوجد بجزيرة جربة العديد من الجوامع اذ يزيد عددها بكثير عن المائتين وأغلبها يعود تاريخه إلى عدة قرون لتمثل معالم تاريخية هامة . لكن الكثير من هذه الجوامع تعرض إلى عمليات نهب وتخريب والى انتهاكات . وهي عمليات انطلقت خاصة منذ سنة 2005 وتمثلت في تعمد عدد من الأشخاص إلى اقتحام هذه الجوامع ونبش القبور الموجودة بها أو القريبة منها وحفر العديد من أركان الجامع بما في ذلك بيت الصلاة وتحت المحراب اعتقادا من هذه العصابات بوجود كنوز مدفونة بداخلها . وتواصلت عمليات النهب والتخريب لتشمل سرقة الحجارة القديمة لبعض الجوامع ونهب الأعمدة والأقواس وهو ما يؤدي في الغالب إلى تداعي وسقوط أجزاء من الجامع . ليقوم « عصابات الآثار بعد ذلك ببيع تلك الأجزاء . ولقد شملت هذه العمليات العديد من الجوامع . ولقد تحصلت الأنوار على قائمة لعدد من هذه الجوامع مثل جامع سيدي ياتي (القرن 9م) وجامع الوطى (القرن 11م) وجامع ولحي (القرن 10م) وجامع الحارة (القرن 10م) وجامع المرابط بلقاسم (القرن 17م) وجامع سيدي يعيش (القرن 14م) …بل بعض هذه الجوامع تعرض لعمليات النهب والتخريب في أكثر من مرة .
* أسباب دينية لا علاقة لها بالإسلام : إضافة إلى البحث عن الكنوز ونهب وسرقة بعض أجزاء الجامع , فان ما يمكن اعتباره أخطر من ذلك هو ما تعرضت اليه بعض الجوامع من انتهاكات وتشويهات شملت قبور هذه الجوامع تحت حجج دينية هي في الحقيقة لا تمت بديننا الإسلامي بأية صلة بل أن الإسلام برئ من مثل هذه الممارسات . وتمثلت هذه الممارسات فيما تعرض اليه جامع سيدي ياتي وتحديدا قبر الشيخ خلف بن أحمد، أو ياتي المستاوي وهو من أقدم الشخصيّات التي عرفها تاريخ جزيرة جربة الإسلامي، عاش في النصف الأوّل من القرن الرّابع للهجرة/القرن العاشر الميلادي، ويعتبر قبره أحد أقدم القبور الإسلامية في جزيرة جربة . وعن هذه الواقعة الخطيرة تحدث للأنوار السيد محمد قوجة رئيس سابق لجمعية صيانة جزيرة جربة وعضو حالي بنفس الجمعية قائلا :  » أهمّ مواصفات هذه الممارسات الكثيرة والمتدوالة أنّها تتعارض في جوهرها مع منطق القرآن ومع روح الإسلام، وتفتقر إلى الحدّ الأدنى من الحجّة المقنعة، رغم ما تدّعيه من الاستنارة بروح القرآن. فهذا أقدم قبر إسلامي معروف في جزيرة جربة، يُنسف وتُستباح حرمته ويعبث برفات الجثمان المدفون فيه، وتبعثر عظامه فوق الأرض. إن كان هذا السلوك مدفوعا باعتبارات عقائديّة إسلامويّة، يعدّ الشيخ خلف بن أحمد، أو ياتي المستاوي، من أقدم الشخصيّات التي عرفها تاريخ جزيرة جربة الإسلامي، عاش في النصف الأوّل من القرن الرّابع للهجرة، ويعتبر قبره أقدم قبر إسلاميّ في جزيرة جربة، مع قبر الشيخ أبي مسور. إنّ ما تعرّض إليه قبر الشيخ ياتي منذ بضعة أيّام وفي واضح النّهار، من انتهاك للحرمة ومن اعتداء فضيع، فعل إجرامي لا يشرّف حضارتنا ويدنّس مقوّماتنا الدينيّة والأخلاقيّة « 
* دور هام لجمعية الصيانة : تقوم جمعية صيانة جزيرة جربة بدور هام من أجل حماية مختلف المعالم التاريخية وخاصة المساجد . كما قامت الجمعية بالاشتراك مع المعهد الوطني للتراث بالعديد من عمليات الترميم التي شملت عدة مساجد . لكن مجهود جمعية الصيانة والمعهد الوطني للتراث في حاجة الى مزيد الدعم خاصة وأن جزيرة جربة ثرية بالمعالم التاريخية والعديد من هذه المعالم أصبح مهددا بالاندثار بل أن بعضها اندثر فعلا نتيجة عوامل طبيعية اضافة الى العوامل البشرية .
تحقيق : عادل بوطار
جريدة الأنوار السبت 14 ماي 2011
Click to comment

Leave a Reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

To Top

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com